جلال الدين السيوطي

193

الأشباه والنظائر في النحو

أنّني من أهل العلم فشجنتني عنه شواجن غادرتني مثل الكرة رهن المحاجن . فالآن مشيت رويدا وتركت عمرا للضارب وزيدا وما أوثر أن يزاد في صحيفتي خطأ في النحو فيخلد آمنا من المحو ، وإذا صدق فجر اللّمّة فلا عذر لصاحبها في الكذب ، ومن لمعذّب العطش بالعذب ، وصدق الشّعر في المفرق يوجب صدق الإنسان الفرق وكون الحالية بلا خرص أجمل بها من التخرّص ، وقيام النادبة بالمنادب أحسن بالرجل من أقوال الكاذب . وهو أدام اللّه الجمال به يلزمه البحث عن غوامض الأشياء لأنّه يعتمد بسؤال رائح وغاد ، وحاضر يرجو الفائدة وباد ، فلا غرو إن كشف عن حقائق التّصريف واحتجّ للنّكرة والتّعريف وتكلّم في همز وإدغام وأزال الشّبه عن صدور الطّغام . فأمّا أنا فجليس البيت إن لم أكن الميت فشبيه بالميت ، لو أعرضت الأغربة عن النّعيب إعراضي عن الأدب والأديب لأصبحت لا تحسن نعيبا ولا يطيق هرمها زعيبا . ولمّا وافى شيخنا أبو القاسم عليّ بن محمد بن همّام بتلك المسائل ألفيتها في اللذّة كأنّها الرّاح يستفزّ من سمعها المراح ، فكانت الصّهباء الجرجانيّة طرق بها عميد كفر بعد ميل الجوزاء وسقوط الغفر . وكان عليّ بجباها جلب إلينا الشّمس وإيّاها فلمّا جليت الهديّ ذكرت ما قال الأسديّ : [ الطويل ] « 696 » - فقلت اصطحبها أو لغيري فاهدها * فما أنا بعد الشّيب ويبك والخمر تجاللت عنها في السّنين التي مضت * فكيف التّصابي بعد ما كلأ العمر وما رغبتي في كوني كبعض الكروان تكلّم في خطب جرى ، والظّليم يسمع ويرى . فقال الأخنس أو الفرا « 1 » : [ مجزوء الرجز ] « 697 » - أطرق كرا أطرق كرا * إنّ النّعام في القرى « 2 » وحقّ مثلي ألّا يسأل ، فإن سئل تعيّن عليه ألّا يجيب ، فإن أجاب ففرض على السامع ألّا يسمع منه ، فإن خالف باستماعه ففريضة ألّا يكتب ما يقول فإن كتبه فواجب ألّا ينظر فيه ، فإن نظر فقد خبط خبط عشواء . وقد بلغت سنّ الأشياخ وما حار بيدي نفع من هذا الهذيان والظعن إلى الآخرة قريب ، أفتراني أدافع ملك الموت ؟

--> ( 696 ) - البيتان للأقيشر في الشعر والشعراء ( ص 562 ) ، والبيت الثاني بلا نسبة في اللسان والتاج ( كلأ ) . ( 1 ) الأخنس : الثور من بقر الوحش . والفرا : حمار الوحش . ( 697 ) - الرجز بلا نسبة في الكامل ( 2 / 56 ) ، واللسان ( طرق ) ، والخزانة ( 1 / 394 ) . ( 2 ) الكرا : ذكر الكروان .